الشيخ محمد رشيد رضا

188

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السلف في جملتهم يحملون الفواحش على عمومها وما ذكروه منها أمثلة لا تخصيص وما تقدم في تفسير ( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) من الوجوه في ظاهره وباطنه يأتي مثله هنا فيراجع في تفسير الآية ( 119 ) من هذه السورة وهذا الجزء « ص 21 » إلا أن الاثم أعم من الفاحشة لأنه يشمل كل ضار من الصغائر والكبائر فحش قبحه أم لا ولذلك قال تعالى في صفة المحسنين من سورة النجم ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) وقال في آية الأعراف ( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) قيل إنها جمعت أصول المحرمات الكلية وهي على الترقي في قبحها كما سيأتي في تفسيرها . وفي حديث عبد اللّه بن مسعود مرفوعا « لا أحد أغير من اللّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » رواه الشيخان في صحيحيهما وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أي والخامس مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن لا تقتلوا النفس التي حرم اللّه قتلها بالاسلام أو عقد الذمة أو العهد أو الاستئمان فيدخل في عمومها كل أحد إلا الحربي . ويطلق العهد على الثلاثة ومنه ما ورد في النهي عن قتل المعاهد وإيذائه كقوله ( ص ) « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما » رواه البخاري من حديث عبد اللّه بن عمر « رض » وقوله ( ص ) « من قتل معاهدا له ذمة اللّه وذمة رسوله فقد أخفر بذمة اللّه فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفا » رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجة من حديث أبي هريرة . وقوله « إِلَّا بِالْحَقِّ » هو ما يبيح القتل شرعا كقتل القاتل عمدا بشرطه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الإشارة إلى الوصايا الخمس التي تليت في هذه الآية واللام فيها للدلالة على بعد مدى ما تدل عليه الوصايا المشار إليها من الحكم والاحكام والمصالح الدنيوية والأخروية - أو بعدها عن متناول أوضاع الجهل والجاهلية ولا سيما مع الأمية . والوصية ما يعهد إلى الانسان أن يعمله من خير أو ترك شر بما يرجى تأثيره ، ويقال أوصاه ووصاه . وجعلها الراغب عبارة عما يطلب من عمل مقترنا بوعظ . وأصل معنى وصى الثلاثي وصل ، ومواصاة الشيء مواصلته وهو خاص بالنافع كالمطر والنبات . يقال وصى النبت اتصل وكثر ، وأرض واصية النبات . وقال ابن دريد في وصف صيب المطر